أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
230
شرح مقامات الحريري
وكان لها شعر إذا مشت يتدلّى وراءها ، وإذا نشرته جلّلها ، فسمّيت الزباء ، لكثرة شعرها ، فجمعت خيل أبيها وغزت بالجيوش من حواليها من الملوك ، فذلّلتهم ، فضرب بها المثل فقيل : أعزّ من الزباء ، واشتهر عنها علوّ الهمة ، وسموّ القدرة ، وقوّة المنعة ، ومضاء العزم ، وبذل الأموال . فلما استحكم ملكها أرادت أن تغزو جذيمة لتدرك فيه ثأر أبيها ، فنهتها أختها زبيبة عن ذلك وقالت : لا طاقة لك به ، ولكن ابني أمرك فيه على المكر والحيل . فبعثت إلى جذيمة تخطبه على نفسها ، ليتّصل ملكه بملكها ، فيصيرا بذلك أعزّ الملوك - وكان بلغه عن جمالها ما أطمعه في الظّفر بها - فأخبر أرباب دولته بمخاطبتها إيّاه ، فكلّهم أشار عليه أن يتزوّجها ، إلا قصير بن سعد بن عمرو - وكان لبيبا عاقلا له عزم وحزم ، وكان خازنه وعميد دولته - فإنه قال له : هذا رأي فاتر ، لأن الزباء قتلت أباها والدم لا ينام ، ولك في بنات الملوك الأكفاء متّسع ، فقال له الملك : إنّ النفس إلى ما تحبّ توّاقة ، وإن كان القدر قد جرى بشيء فلا مفرّ عنه . وكتبت إليه الزباء تطلب منه قدومه عليها للنكاح ، وقالت له : لولا أنّ السعي في مثل هذا للرّجال أجمل ، ولهم ألزم ، لسرت إليك . وأهدت مع كتابها من العبيد والسلاح والأموال والذهب هديّة سنية ؛ فلما وصلت أبهجته ، وحسب أن ذلك لفرط رغبتها فيه ، فشاور قومه وابن أخته عمرا ، فشجعوه على المسير إليها ، واستخلف عمرا على ملكه ، وسار في خواصّه حتى نزلوا بالفرضة ، فشاور خواصّه وقصيرا في الجملة ، فأشاروا عليه بالمسير إلا قصيرا ، فإنه قال : أيّها الملك كلّ عزم لا يؤيّد بحزم فآخره إلى فساد ؛ ولولا أن الأمور تجري على المقدور ، لعزمت على الملك ألّا يفعل ، فقال جذيمة : الرأي مع الجماعة ، فقال قصير : أرى القدر سابق الحذر ، ولا يطاع لقصير رأي . فلما قرب من ديارها أرسل إليها يعلمها بموضعه ، فأظهرت السرور به ، وأخرجت له هدايا وأنواعا من الأطعمة والأشربة ، فقال لقصير : كيف ترى ؟ فقال قصير : من لم ينظر في العواقب لم يأمن المصائب ، فاستدرك الأمر قبل فوته ، وارجع فإنّ في يديك بقية تستدرك بها الصّواب ، وإن كنت لا بدّ فاعلا فإن القوم إنّ تلقّوك غدا يجيء قوم ويذهب قوم ، فالأمر في يديك ، وإن تلقّوك صفّين فإذا توسطتهم وأحدقوا بك ، فقد ملكوك ، وهذه العصا - وهي فرس لجذيمة تستبق الطير - فسأعرضها لك فاركبها لتسلم عليها ، فإنه لا يشقّ غبارها ، فأرسلها مثلا . فلما كان غد لقوه صفين ، فلمّا توسطهم انقضّوا عليه ، فقال لقصير : صدقت فما الرأي : فقال له : بقّة تركت الرأي ، وهذه العصا ، اركبها ، فشغله الأمر عنها فلما رأى قصير الجيوش تسير بجذيمة أعطى العصا عنانها ، فهوت به هويّ الرّيح ، فتطاول إليه جذيمة ينظره ، فقال : ويل له جذيمة ؛ فجرت به إلى غروب الشمس . - قال الأصمعي رحمه اللّه تعالى : لم تقف حتى جرت ثلاثين ميلا ، ثم وقفت